قومت بتجهيز استوديو التصوير كما علمني “عمران” من قبل؛ وجلست على كرسيه و أنا أمسك بفنجانه الأزرق الذي إعتاد حمله في كافة حلقات برنامجه و الذي إعتاد أن يقول لي في كل مرة أسأله عنه “إنه يذكرني بمن أنا و من أين أتيت”
“ساعدني يا عمران.. أنا محتجالك دلوقتي جدًا” و أخذت أتحسس الفنجان الدافئ كلمسة يديك و كأنك كنت تمسكه منذ لحظات و أنا أنظر إلى صورتنا معًا و أنت تضمني إلى صدرك التي وضعتها خلف الكاميرا لتستمد منها قوتك كما زعمت دائمًا، يا إلهي يا عمران كم أشتاق لعينيك الزرقاوتين البراقتين و شعرك الأسود المهندم و لحيتك التي كنت أهذبها لك بنفسي كل إسبوع.
ضغطت على زر البث المباشر و نظرت مباشرة إلى الكاميرا و أنا أستجمع شجاعتي و بدأ في الحديث و أنا أتظاهر بالتماسك: ” أنا فيروز الصاوي.. زوجة اليوتيوبر المعروف عمران.. في يوم 15 أغسطس 2023 إختفى زوجي تمامًا و إختفت كل حلقاته اللي على اليوتيوب و مفيش حد يعرف هو فين، و الشرطة مقدرتش توصله و دلوقتي عدى على غيابه أكتر من شهرين.. و مبقاش قدامي غير جمهوره عشان يساعدني نلاقيه…”
****
أجلس أمامك الآن و أنتِ تعزفين مقطوعتك الجديدة التي ستعزفينها للأطفال في حفل الأسبوع بالمستشفى؛ أليست مفارقة غريبة يا عزيزتي؟ أن تكوني جراحة أطفال و عازفة بيانو بآن واحد؟ أن تمتلكين قلب من الخرسان الصلب في كل مرة تدخلين لغرفة العمليات و الكريستال لتتمكني من الحنو عليهم بعدها؟ أتأملك الآن بشعرك الأسود الطويل التي تهرب إليه أصابعك في توتر كلما أخطأتِ في العزف و عينيكي البنيتين التي لطالما ميزهما اللمعة الطفولية.. أكاد أذوب بين النمش الذي تزين بشرتك الخمرية.
أعذريني لأنني لم أمنع نفسي من مغازلتك و أنا أكتب هذه الرسالة لكِ؛ و لكن لنعتبرها معزوفة حبي الأخيرة، فأنا لا أعلم إن كنت سأتمكن من قول محتواها أم أنكِ ستجدينها بدوني كما أتوقع.
أنا لست كما تتوقعين أن أكون؛ هذا الرجل الذي الصالح الذي يحبك و حياته ليس بها سواكِ.. إسمي ليس عمران و إنما “إليوس” الذي يعني الشمس، أكاد أراكِ تضحكين و تقولين “انا إسمي الحقيقي دانيال” و تقومين بتمزيق الرسالة و تذهبين للإتصال بي و لكن إذا وجدتِ هذه الرسالة ف سيكون رقمي خارج نطاق الخدمة في الغالب؛ لهذا أطلب منكِ أن تتحلي ببعض من الصبر الذي لطالما كان عندك منه الكثير.
أتذكرين أسطورة “إيريبوس” الذي إعتدت قصها عليكِ دائمًا؟ نعم؛ أسطورة إله العالم السفلي الذي يقع بجانب عالم الأموات.. و لكن ماذا إن لم يكن مجرد أسطورة أو إله من الأساس؟ ماذا إن كان “إيريبوس” مدينة تحت الأرض؟
آراكِ الآن تعقدين حاجبيكِ لتأخذ شكل الثمانية و الثمانين، و لكن لتسمعيني إلى النهاية فقط.. إتفقنا؟
كنتِ تتساءلين دومًا من أين أجيد اللغة اليونانية و أعرف كل أساطير الإغريق؛ و كانت إجابتي “عشان عيشت هناك 5 سنين” و لكن هذه ليست الحقيقة هذا لأنني أنتمي لهذه المدينة و التي أسسها “إياديس” منذ 2000 عام و حكمها حتى 50 عام مضت -نعم؛ إن أعمارنا بهذا العالم تختلف عن سكان السطح بكثير و خصوصًا القائد لأن الطب عندنا لم تعرفون مثله أبدًا- يا الهي كم أضحك على سذاجتك الآن يا غبية.. لا لسنا جن أو عفاريت، فهذه المصطلحات نحن من خلقناها بعقولكم لترجع كافة تفسيراتكم للأحداث إلى جانب مظلم و ينتابكم الخوف من الإقتراب؛ كما زرعنا الأساطير الإغريقية و الهندوسية و كل هذه الخرافات ليؤمن منكم بوجود قوة خفية لا يمكنهم هزيمتها.
إن ميزتنا الأشهر هى اغتصاب العقول سكان السطح أو كما تقولين عني “المُقنع” بالظبط هذه صفة شعبنا ليستمر كل شئ تحت سيطرتنا دون أن تعرفون عنا شيئًا؛ لهذا ستجدين أبناء مدينتنا إما رؤساء دول أو رجال أعمال أو متحدثين إعلاميين أو مثلي يقدمون محتوى عن التاريخ الزائف الذي عليكم أن تصدقون؛ نتواصل مع بعضنا البعض بسهولة عن طريق عدسات صممها علماء المدينة لتكون وسيلة تسجيل و إرسال كل ما يحدث حولنا لبعضنا البعض بدون أن يشعر بنا أحدًا.
لقد أحببت مدينتي و آمنت برسالتها لسنوات طويلة؛ حتى وقعت في حبك من اللحظة الأولى التي رأيتك تولدين فيها -أجل؛ أنا أكبركِ بهذا القدر و ربما أكثر- كنتِ تكبرين أمام عيني كل يوم؛ عشقت طهارتك و نقائك الذي أشك في أنني أمتلك أيًا منهما، و أصبحت أول من كسر أوامر الإدارة العليا و تزوج بسطحية و حينها عوقبت بالنقل من قسم المحركين الذي يتحكم بالحوادث إلى الواجهة و أنشأت قناة اليوتيوب التي أتت التعليمات بعدها أن أتحدث فيها عن تاريخ الحروب و الفتن و أن أزرع الضغائن في عقول كل طائفة للأخرى.
في عام 2010 تولى “إلينخيوس” الحكم بعد أن عُثر على قائدنا “كالوس” مقتولًا و حينها جاءنا إستدعاء عن طريق آداة التواصل الخاصة بكل منا -و هى بالنسبة لي الفنجان الذي لطالما تسآلتي عنه- و تعتبر هى الحد الفاصل في تاريخ أمتنا، حيث ذهبنا إلى المدينة و وقف “إلينخيوس” يخاطبنا كما لم يفعل قائد من قبل.
“أقف أمامكم اليوم لأعلمكم كيف مات قائدكم؛ لقد مات على السطح و هو يدافع عن طفلة كان يغتصبها مجموعة من الشباب و يقف الجميع متفرجين دون الدفاع عنهم.. لقد تمرد سكان السطح علينا و علي كل الخطط التي وضعناها لنحميهم من غرورهم و رعونتهم، و بعد مناقشة الإدارة العليا.. قررنا تركهم لغبائهم و هو كفيل أن يقضي عليهم تمامًا في غضون 100 عام، و أبلغكم أنكم أحرار فيما تفعلونه سواء إخترتم العودة إلى موطنكم أو الإستمرار بالخارج فيما تفعلونه”
ملأت الضغينة قائدنا الذي لم يكمل قرن واحد في الحكم! لطالما أخبرونا أن الطب غير قادر على حمايتنا من القتل؛ فقط نواجه الأمراض و نشفى منها.. و ها قد قتل “كالوس” المسكين الذي عرف بشهامته و قوته و حبه لسكان السطح.
أردت أن أدمرهم، و كان عائقي الوحيد هو أنتِ؛ حاولت مرارًا و تكرارًا أن أقنع “إيباجوس” القائد المباشر للواجهة أو كما تعرفينه بإسم “سمعان” صديقي المقرب بأن يكلم الإدارة العليا و يقنعهم بأن أصطحبك إلى ديارنا و كان الرفض هو الإجابة التي تلقيتها بحجة أنكِ مثل بقية السطحيين يكمن بداخلك شر لا نعلم مداه؛ و لكنك لم تكوني كذلك يومًا! أعرفكِ و أعرف طباعك.. بحق السماء إنني أنام بحضنك كل ليلة و أسميكي ملاكي الحارس و أعلم أنكِ على إستعداد أن تموتي من أجلي؛ كيف لكِ أن تشبهي بقيتهم؟ قررت أنني لم أستسلم؛ و أنه عندما يرى “إلينخيوس” إكمالي لرسالتي على أكمل وجه؛ سيكافئني بالموافقة.
حتى عام 2013، كنت أسهر معكِ كل ليلة و أنتِ تشاهدين الأخبار و تبكين ضحايا الثورة و الشهداء أو هكذا تطلقين عليهم أما أنا ف كنت أراهم دليل نجاحي؛ أنا و أتباعي من الواجهة.. كانوا يطلقون علي قائد حملة الثأر؛ و قد وصل صدانا لكل أرجاء “إيريبوس”.
و ذات مساء عندما ركضتي إلى المشفى لتسعفي مصابي فض الإعتصام من الشرطة و الجيش؛ جاء “سمعان” ليعطيني عدسة عينه التسجيلية الخاصة به و يقول لي: “إديني عدستك، و شوف اللي متسجل عندي” و عندما جادلته؛ أقنعني أنه ليس أمامه الكثير من الوقت و أنه مهدد و علي أن أثق به.
” من شهر جالي إشارة على جهازي و روحت الإدارة العليا و إتقالي إني إترقيت و بقيت من الإدارة في اللجنة السرية و إني لازم أشجعك على إنك تكمل و أرقيك لمدير الواجهة و أتظاهر بإني بقيت مستشارك”
نظرت له في عدم فهم، فأكمل مسرعًا حتى لا أقاطعه بعد أن إرتشف قليلًا من الماء: ” إيفيدوفورا خطيبتي، شغالة في الأمن الداخلي للمدينة؛ كلمتني من إسبوع و إدتني عدستها و قالتلي لو حصلها أي حاجة ألبس العدسة و أوجهها لجهاز التواصل و هعرف كل حاجة”
إنهار على الكرسي بينما كنت أراقبه في خوف مما هو قادم و أنا ألعب في ذقني لا إراديًا: ” إيفي إختفت تاني يوم، و اللي عرفته إنها مرجعتش من عندي لبيتها أصلًا…”
حاول تمالك نفسه و لكنه قال بصوت منكسر تمامًا: ” عملت اللي قالتلي عليه؛ و شُوفت تسجيلات و أوراق سجلتها بعدستها… بتثبت كالوس متقتلش على إيد السطحيين، إلينخيوس هو اللي قتله.. و عمل كل دة لأنه عايز يقضي على السطحيين و مارس ألاعيب إغتصاب العقل علينا و هدفه إن لما السطحيين يموتوا نطلع احنا و نبني مستعمرة كاملة مش بس مجرد مدينة… كل دة إيفي عرفته و خافت لما حست بتغيير في معاملتهم ليها.. و أنا عارف إن دوري جاي لأني شوفت عملاء الأمن تحت بيتي و أنا جايلك.. أنا توهتهم بس كان لازم أنقلك اللي حصل كله و إننا كنا مجرد لعبة في إيد القائد..”
رحل “سمعان” و تركني لصدمتي و همومي؛ أمات كل هؤلاء الأبرياء بسبب حماقتي و إيماني الكامل بقائد غشاش؟ أوقعت الفتنة بين أخ و أخيه.. زوجة و زوجها لأنني إنسقت وراء كذبة؟
إختفى “سمعان” بكما توقع؛ و كنت قد شاهدت كافة التسجيلات التي تدين “إلينخيوس” حين أضاء فنجاني بحروف يونانية تبلغني بإستدعاء من القائد شخصيًا؛ علمت بما أنا موشكًا على مواجهته و عاهدت نفسي أن أصلح ما خربته.
تلك هى المرة الأولى و أخيرة التي أدخل إلى قاعة القائد التي تميزت بالسواد المحيط من كل جانب حتى الأثاث و كرسي العرش كانوا بظلمة قلب “إلينخيوس”؛ وجدته ينظر إليه بعينيه الزرقاوتين الثاقبتين و هو يلف لحيته البيضاء حول أصابعه ثم إعتدل في جلسته منتظرًا مني الإنحناء و لكني لم أفعل.
فإبتسم متظاهرًا بالود و قال باليونانية: “تمامًا كما وصفوك لي.. صاحب كبرياء و كرامة و عقل ذريًا”
أجبته بلغتك المحببة إلى قلبي و أذني لأشعر بكِ تسانديني: “سمعان بلغني بترقيتكم ليا؛ و كنت في إنتظار إستدعائكم الكريم للتأكد”
نظر لي في تعجب: “لماذا تتنصل من لغة مدينتك؟ و في حضرتي أيضًا؟”
“العفو.. أنا بس إتعودت بحكم إني من الواجهة”
“و هذا هو مربط الفرس؛ في هذه الأثناء يقوم طبيبًا نفسيًا بتشخيص زوجتك بأنها مريضة ذُهان، و عليه سيتم إيقافها عن العمل و إعطائها بعض المهدئات و ما إن تأخذها حتى تغيب عن الوعي و يمكنك نقلها إلى مدينتنا”
“مش فاهم؟ ليه مننقلهاش على طول؟”
“لينبذها البشر؛ و نتقبلها نحن..فـ تحبنا كأهل لها؛ كما سنعلمها طبنا و يمكنها أن تمارس حياتها الطبيعية هنا”
علمت أن في الأمر خدعة ما؛ يريدونكِ رهينة حتى أنفذ ما يريدون دون أن أي تغيير، لهذ لم أدعكِ تتناولين العقاقير و ظللت أخبركِ أنكِ على ما يرام.
قولت له و انا أحني رأسي قليلًا: “عظمتك و حكمتك تفوق الوصف يا قائدنا.. شكرًا لك”
“أريدك أن تستمر، بل أن تزيد من إغتصاب العقول.. لا أريد لأسرة أن تعيش في سلام؛ لا أريد لطائفة أن تتوقف عن قتال الآخرى.. ثمن شكرك لي هو أن تثأر لأخي”
يالك من عبقري مقنع! خرجت من هناك و قد عاهدت نفسي أن أخبر كل من بحملة الثأر لنقاوم بشكل غير مباشر؛ و حولت برنامجي بعنوان “إغتصاب العقول” و بدأت أناقش كافة الوسائل في غسيل المخ التي نمارسها عليكم منذ سنوات.
هناك من آمن بي و إتبع خطاي، و هناك من كفرو إنشق عني و شكل حزب منفرد لنفسه على وعد بـأن يحفظوا سرنا و لكني كنت ملعونًا على أي حال.. مُنعت من الدخول إلى المدينة و قُتل الكثير من أتباعي بداخل المدينة فـ أصبح البقية منبوذين، و حتى عام 2020 كنت أجاهد أنا و بعض من أتباعي حتى تستقر الأمور فتارة ننجح و تارة نفشل إلى أن تفشى الوباء؛ لنقف جميعًا مكتوفي الأيدي و نشاهد الآلاف يموتون كل يوم؛ كنت أعلم أن “إلينخيوس” و طاقمه الطبي وراء كل هذا… ثلاثة أعوام مرت و نحن بهذا الحال، كان يعجبني إيمانك بالطب و المصل الذي أخذته و جعلتيني آخذه قصرًا و لكنه لم يمنع من إنتشار المرض لأنهم عرفوا كيف يشككونكم في كل ما يقال من حولكم؛ لا يوجد شئ مؤكد فلما المخاطرة بأخذ مصل مميت.. ياله من هراء! فقد أخذته و ها أنتِ كالقردة تصدعينني بألحانك!
و في يوم تلقيت مكالمة من رئيسة الطاقم الطبي “سيرغاسيا” التي قالت بصوت سمعته بالكاد: “إلينخيوس عندما علم بإقتراب السطحيين من إختراع علاج.. أمرني بأن أصنع متحور لا يُقهر منه و عندما فعلت و قولت له أنني متخوفة و أنه من الممكن أن يصيب أبناء شعبنا أيضًا.. قال أن كل من على الأرض أعدائنا و لا يهم من سيسقط المهم أن نقضي على السطحيين.. و حين رفضت حقنني بالمرض، إنني أحتضر دون أن أجد علاج لهذا الفيروس اللعين.. فالتنقذهم يا إليوس.. أنت متزوج بإحداهن و إذا أصيبت بالوباء ستموت في خلال 48”
تلقيت إستدعاء على جهازي و سألبيه غدًا و أذهب إلى مدينة العيون الزرقاء و أنا متأهب تمامًا لما سيحدث؛ لن أخاطر بأن يأتوا إلى هنا و يصيبكِ مكروهًا؛ إن عدت سأخبركِ بكل شئ و إن لم أعد فستجدين الحقيقة هنا يومًا ما.
أحبكِ يا ملاكي الحارس.
***
أنهيت إخبار العالم برسالتك و انا أمسح دموعي؛ لم يهمني إن نعتني أحد بالمجنونة؛ فقط أردت فضحهم فلا سر يعيش إلى الأبد.
في صباح اليوم التالي فتحت التعليقات، لأجدهم جميعًا مجتمعين على شئ شيئين إما نعتي بأفظع الألفاظ أو السؤال عن هويتك و من أنت! إنك اليوتيوبر الأشهر على الإطلاق؟ كيف لهم ألا يعرفونك يا زين؟ ماذا فعل “إلينخيوس” بعقولهم؟
و لكن ما لم أقوى عليه هو تعليق كان يحمل إسم “سمعان”: أنا طبيبها النفسي و أؤكد لكم أنها مريضة بارانويا.. في هذا المرض يتخيل المريض أن الكل يريد الإيقاع به و يعتقد المريض أنه مضطهد و يؤمن إيمان كامل بالمؤمرات المتعلقة بتهديد سلامته؛ لهذا رفقًا بها فهى بالفعل مؤمنة بما تقوله إيمانًا كاملًا.. فالتشفقوا عليها و تدعو لها”
!يا “إلينخيوس” يا إبن الساقطة

Leave a comment